أحمد بن يحيى العمري
101
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
33 - المنصور بالله « 1 » أبو الطاهر إسماعيل ، وكان قد أوصى إليه أبوه بقصد مصر واستضافتها ، وإعداد القرى لقري إضافتها ، فشغلته الفتن التي قامت بأفريقية واستأصلت [ ص 51 ] لولا عوارضها المستبقية ، فإنها ثارت ثوايرها في كل قطر ، وطارت بواترها في ظل السيوف البتر ، وكان جهد المنصور أن يرقع خروقه ، ويخيط بإبر الرماح فتوقه ، ولم تعدّ همّته قدر الاستصلاح ، ولم تعل عزمته على الدفع بالراح ، وكان أقصى اجتهاده أن يذود عن حوضه الغرائب ، ويذوب خوفا يخرج من بين الصلب والترائب ، إشفاقا على ملكه من تجاذب الأطراف وتجابذ الأطراف ، خشية أن ينتزع ، وحذرا من قاصد بسيفه أن يزع . قال ابن سعيد : وهذا المنصور مشبّه بالمنصور ، لأن كلا منهما اختلت عليه الدولة ، وأصفقت عليه الحروب ، وكان يسلّ من الخلافة ، فهبّ له ريح النصر ، وتراجع له أمره حتى لم يبق مخالف ، وحين [ أراد ] لبنيه ختانا لم تسمو همّة ملك إليه « 2 » ، أمر بأن يكتب له أولاد قواده وأجناده ، وسائر رجاله وعبيده وأهل بلاده ، وكساهم وكانوا زهاء مائة ألف ، ثم فرّق فيهم أموالا جزيلة وبدأ بالختان
--> ( 1 ) المنصور الفاطمي : إسماعيل بن محمد بن عبيد الله المهدي ، أبو الطاهر ، المنصور بنصر الله ، ثالث خلفاء الدولة الفاطمية العبيدية بالمغرب ، مولده بالقيروان ، قام بالأمر بالمهدية ( بأفريقية ) بعد وفاة أبيه ( القائم بأمر الله ) سنة 334 ه ، بنى مدينة بقرب القيروان سماها المنصورية ، ونقل إليها حاشيته وجنده ، كان حازما خطيبا بليغا ، استطاع أن يقضي على الفتن القائمة في البلاد وخاصة فتنة أبي يزيد النكاري مخلد بن كيداد من أهل قسطيلة ، وتوفي المنصور بالمنصورية ودفن بالمهدية سنة 341 ه . ( ابن خلدون 4 / 43 ، ابن خلكان 1 / 76 ، ابن الأثير 8 / 150 ، 164 ، البيان المغرب 1 / 218 ) ( 2 ) كذا وردت العبارة في الأصل وفيها اضطراب وغموض ، ومقصوده : حين أراد ختان بنيه أمر بإكساء أولاد القواد والأجناد والعبيد .